الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
240
تفسير روح البيان
عنها الأصحاب اليمين من السعداء الذين تجردوا عن الهيئات الجسدانية وخلصوا إلى مقام الفطرة ففكوا رقابهم من الرهن فِي جَنَّاتٍ كأنه قيل ما بال أصحاب اليمين فقيل هم في جنات لا يكتنه كنهها ولا يوصف وصفها كما دل عليه التنكير والمراد ان كلا منهم ينال جنة منها يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ تفاعل هنا بمعنى فعل اى يسألون المجرمين عن أحوالهم وقد حذف المسؤول لكونه عين المسؤول عنه ولدلالة ما بعده عليه ( يروى ) ان اللّه يطلع أهل الجنة وهم في الجنة حتى يرون أهل النار وهم في النار فيسألونهم ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ مقدر بقول هو حال مقدرة من فاعل يتساءلون اى قائلين اى شئ أدخلكم فيها وكان سببا لدخولكم من سلكت الخيط في الإبرة سلكا اى أدخلته فيها فهو من السلك بمعنى الإدخال لا من السلوك بمعنى الذهاب فان قلت لم يسألونهم وهم عالمون بذلك قلت توبيخا لهم وتحسيرا ولتكون حكاية اللّه ذلك في كتابه تذكرة للسامعين قرأ أبو عمر وسلكم بإدغام الكاف في الكاف والباقون بالإظهار قالُوا اى المجرمون مجيبين للسائلين لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ للصلوات الواجبة فعدم إقرارنا بفرضية الصلاة وعدم أدائها سلكنا فيها أصله نكن حذف النون للتخفيف مع كثرة الاستعمال وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ على معنى استمرار نفى الإطعام لا على نفى استمرار الإطعام والمراد أيضا الإطعام الواجب والا فما ليس بواجب من الصلاة والإطعام لا يجوز التعذيب على تركه وكانوا يقولون أنطعم من لو يشاء اللّه أطعمه فكانوا لا يرحمون المساكين بالاطعام ولا يحضون عليه أيضا كما سبق ففيه ذم للبخل ودلالة على أن الكفار مخاطبون بالفروع في حق المؤاخذة قال في التوضيح الكفار مخاطبون بالايمان والعقوبات والمعاملات اجماعا اما العبادات فهم مخاطبون بها في حق المؤاخذة في الآخرة اتفاقا أيضا لقوله تعالى ما سلككم في سقر الآيات اما في حق وجوب الأداء فمختلف فيه قال العراقيون من مشايخنا نعم وقال مشايخ ديارنا لا وفي بعض التفاسير وللحنفى ان يقول هذا انما هو تأسف منهم على تفريطهم في كسب الخير وحرمانهم مما ناله المصلون والمزكون من المؤمنين ولا يلزم من ذلك ان يكونوا مأمورين بالعمل قبل الايمان وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ اى نشرع في الباطل مع الشارعين فيه والمراد بالباطل ذم النبي عليه السلام وأصحابه رضى اللّه عنهم وغببتهم وقولهم بأنه شاعر أو ساحر أو كاهن وغير ذلك والخوض في الأصل بمعنى الشروع مطلقا في اى شئ كان ثم غلب في العرف بمعنى الشروع في الباطل والقبيح وما لا ينبغي وفي الحديث أكثر الناس ذنوبا يوم القيامة أكثرهم خوضا في معصية اللّه وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ اى بيوم الجزاء أضافوه إلى الجزاء مع أن فيه من الدواهي والأهوال ما لا غاية له لأنه ادهاها وانهم ملابسوه وقد مضت بقية الدواهي وتأخير جنايتهم هذه مع كونها أعظم من الكل إذ هو تكذيب القيامة وإنكارها كفر والأمور الثلاثة المتقدمة فسق لتفخيمها والترقي من القبيح إلى القبيح كأنهم قالوا وكنا بعد ذلك كله مكذبين بيوم الدين ولبيان كون تكذيبهم به مقارنا لسائر جناياتهم المعدودة مستمرا إلى آخر عمرهم حسبما ينطق به قولهم حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ اى الموت ومقدماته فإنه امر متيقن لا شك في إتيانه وبالفارسية